مدار التجربة: مذكرات عيد الأضحى
الكاتبة: مها. تاريخ النشر 15 محرم 1448 هـ
وعدتُ نفسي هذه الإجازة أن أجرّب شيئاً جديداً، فاخترتُ الذهاب إلى "كوزفن"، المكان الذي تتنفس فيه روحي، لأجرّب الرسم. لستُ رسّامة، تماماً كما أنني لستُ مغنّية، لكنني أؤمن بحق الجميع في التجربة؛ فما بعد التجربة من تصنيفاتٍ لا يعنيني حالياً. بهذه الطريقة اكتشفتُ يوماً أني أهوى الكتابة—أذكر أنني حشرتُ نفسي لشهورٍ في مجلس النساء في طفولتي لأكتشف موهبتي—قلتُ لنفسي حينها: "سنجرّب كل شيء نستطيع تجربته، إلى أن نجد ما لا نشعر بالوقت ونحن نفعله"، وكانت الكتابة هي الفعل المتصدّر وقتها. لكنني اليوم، لا أمانع من إخراج "مها الرسّامة" إلى العلن.
في طريقي إلى هناك، وكالعادة، عبرنا الجبال والتلال للوصول—فقد ابتعدتُ أضعافاً عنه—لكن "ماجدة" كانت معي تغني "كُن صديقي"، وفي مشهدٍ يتكرر للمرة الثانية وسط الشمس اللاهبة والطريق الذي يغلي، عندما صاحت تقول: "لماذا تهتم بشكلي ولا تدرك عقلي؟"، طار سرب حمامٍ أمامي في مشهدٍ بديع، وكأنه موقفٌ اتخذوه عند سماعها! سُعدتُ بالمشهد كأنه متفقٌ عليه؛ لا بد أنهم سمعوا ترددات صوتها التي تخترق الأنسجة، بتساؤلها الذي تساءلتُه أنا أيضاً ذات يوم.
وصلتُ "كوزفن"، وقابلتُ "فهد" الكاشير، وطلبتُ منه قبل كل شيء "الكركديه" الشهير الذي يصنعه. كنتُ الوحيدة في المكان تقريباً، لذلك لم أخف من خوض التجربة علناً. اشتريتُ تذكرتي، ووقعتُ تعهد الولاء، وجلستُ أمام لوحةٍ بيضاء. أول ما خطر لي أن ألوّنها بالأزرق؛ كنتُ أفكر في "الأزرقين" اللذين التقيا وتظاهرا بعدم المعرفة: السماء والبحر. ثم بعدها خطر ببالي تساؤلٌ قرأته بالأمس: "إن اختار الرمادي العودة لأصله، فسيعود للأبيض أم للأسود؟" أعتقد أنه سيعود للأزرق. بدأتُ أرسم شخصياتي العشر، البيضاء والسوداء؛ الأبيض يتسخ ويتبدّل لونه سريعاً بالمحيط، تارةً يتحوّل للأزرق، وتارةً للرمادي بفعل الأسود. ثم خطرت ببالي العيون؛ عيون الناس بأحكامهم ومحاولات التجربة والفشل أمامهم، وعيون ذاتي المراقبة والجلّادة.
أعتقد أني رسمتُ لوحةً جيدة ذات معنى، وكما قلنا: القصص تصنع المعنى. ربما أبيعها في أحد معارض الفن المعاصر، فلوحة "الموزة واللاصق" ليست أفضل مني!
أذّن المغرب، فذهبتُ لأصلّي وسط الشجر، وأنا أتأمل فكرةً ظلوا يقنعونني بها لسنوات؛ كلما سألتهم: "لماذا لا نُشجّر أماكننا؟"، أجابوا: "البيئة لا تساعد". لكن البيئة في "كوزفن" ساعدته! لو أن كل فردٍ لديه مسؤولية بيئية كهذه، لتحوّلت الرياض إلى حديقةٍ باردةٍ عذبة تحت الظل. فلسطين حاضرةٌ في كل مكانٍ ، قرأتُ أن الحياديين لا مكان لهم هنا، وكم أحب أن أكون في أماكن تتبنّى موقفاً ومبدأً، تشعر أنها لإنسانٍ حيّ. رأيتُ العمال يتحدثون سوياً براحة، وهو منظرٌ لا تراه في الأماكن الرأسمالية؛ لوهلةٍ غبطتهم لعملهم في مكانٍ سعيدٍ ومريحٍ مثل هذا.
صلّيت، وأخذتُ النبتة الهدية التي تأتي مع كل عملٍ فني تقوم به. مررتُ بدورات المياه فاستلطفتُ الإحسان؛ وجدتُ فوطاً صحية. أذكر أنني مرةً فعلتُها في حمامات العمل، وضعتُ فوطاً صحية في قسم النساء، وتم توبيخي من قبل الفتيات قائلاتٍ إني "لا أستحي"! على الرغم أن الحمام للفتيات فقط والفوط لهن. لذلك لا أشعر أني غريبة هُنا.
خرجتُ منه خفيفة الروح، ممتنةً له كملجأٍ وملاذٍ آمنٍ تألفه روحي، حاملةً في يدي لوحةً تروي حكاية صراعاتي، ومسؤوليةً جديدةً يجب عليّ الاعتناء بها لنقاوم العالم سوياً؛ تلك النبتة التي ستنمو معي، تماماً كما أنمو أنا مع كل تجربة.